‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصطفى لطفي المنفلوطي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصطفى لطفي المنفلوطي. إظهار كافة الرسائل


       images (2)


أيها المحزون
مصطفى لطفي المنفلوطي
من النظرات والعبرات
قراءة: أماني عيسى


إن كنت تعلم أنك قد أخذت على الدهر عهداً أن يكون لك كما تريد في جميع شؤونك وأطوارك، وأن لا يعطيك ولا يمنعك إلا كما تحب وتشتهي، فجدير بك أن تطلق لنفسك في سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مأرب، أو استعصى عليك مطلب.


وإن كنت تعلم أخلاق الأيام في أخذها وردها، وعطائها ومنعها، وأنها لا تنام عن منحة تمنحها حتى تكر عليها راجعة فتستردها،وأن هذه سنتها وتلك خلتها في جميع أبناء آدم، سواء في ذلك ساكن القصر وساكن الكوخ، ومن يطأ بنعله هام الجوزاء،
ومن ينام على بساط الغبراء؛ فخفِّض من حزنك، وكفكف من دمعك؛ فما أنت بأول غرض أصابه سهم الزمان،وما مُصابك بالبدعة الطريفة في جريدة المصائب والأحزان.
شاهد الفيديو الصوتي

أنت حزين لأن نجماً زاهراً من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ عينيك نوراً، وقلبك سروراً، وما هي إلا كرُّةُ الطرف أن افتقدته، فما وجدته، ولو أنك أجملت في أملك، لما غلوت في حزنك، ولو كنت أنعمت نظرك فيما تراءى لك لرأيت برقاً خاطفاً،ما تظنه نجماً زاهراً، وهنالك لا يبهرك طلوعه، فلا يفجعك أفوله.

أسعد الناس في هذه الحياة من إذا وافته النعمة تنكر لها، ونظر إليها نظرة المستريب بها وترقب في كل ساعة زوالها وفناءها،فإن بقيت في يده فذاك، وإلا فقد أعد لفراقها عدته من قبل.
لولا السرور في ساعة الميلاد ما كان البكاء في ساعة الموت، ولولا الوثوق بدوام الغنى ما كان الجزع من الفقر، لولا فرحة التلاق، ما كانت ترحة الفراق.



» تابع القراءة


              الرحمة


من النظرات..قراءة :أماني عيسى

سأكون في هذه المرة شاعراً بلا قافية ولا بحر، لأني أريد أن أخاطب القلب وجهاً لوجه، ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل الشعر.
إن البذور تلقي في الأرض فلا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها، وجعل عاليها سافلها، كذلك القلب لا تبلغ منه العظة إلا إذا داخلته، وتخللت اجزاءه، وبلغت سويداءه، ولا محراث للقلب غير الشعر.
الرحمة..مصطفى لطفي المنفلوطي


أيها الرجل السعيد: كن رحيماً، اشعر قلبك الرحمة، ليكن قلبك الرحمة بعينها.
ستقول: إني غير سعيد، لأن بين جنبي قلباً يلم به من الهم ما يلم بغيره من القلوب، أجل. فليكن ذلك كذلك، ولكن اطعم الجائع واكس العاري، وعز المحزون، وفرج كربة المكروب، يكن لك من هذا المجموع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك واحزانك، ولا تعجب أن يأتي النور من سواد الحلك، فالبدر لا يطلع إلا إذا شق رداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من مهد الظلام.
لقد بليت اللذات كلها.. ورثت حبالها.. وأصبحت أثقل على النفس من الحديث المعاد..ولم يبق ما يعزى الإنسان عنها إلا لذة واحدة: هي لذة الإحسان.
إن منظر الشاكر منظر جميل جذاب.. ونغمة ثنائه وحمده أوقع في السمع من العود في هزجه ورمله [الهزج والرمل: نوعان من الموسيقى.] واعذب من نغمات معبد في الثقيل الأول. [معبد: أحد كبار المغنين في العصر الأموي، والثقيل الأول: ضرب من ضروب الغناء.]
أحسن إلى الفقراء والبائسين، واعدك وعداً صادقاً انك ستمر في بعض لياليك على بعض الأحياء الخاملة فتسمع من يحدث جاره عنك من حيث لا يعلم بمكانك، إنك أكرم مخلوق، وأشرف إنسان، ثم يعقب الثناء عليك بالدعاء لك إن يجزيك الله خيراً بما فعلت.. فيدعو صاحبه بدعائه، ويرجو برجائه.. وهنالك تجد من سرور النفس وحبورها بها الذكر الجميل في هذه البيئة الخاملة: ما يجده الصالحون إذ ذكروا في الملأ الأعلى.
ليتك تبكي كلما وقع نظرى على محزون أو مفؤود [المفؤود: المصاب في فؤاده بألم أو غيره.] فتبتسم سروراً ببكائك.. واغتباطاً بدموعك، لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور.. تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء: إنك إنسان.
إن السماء تبكي بدموع الغمام.. ويخفق قلبها بلمعان البرق.. وتصرخ بهدير الرعد، وإن الأرض تئن بحفيف الريح.. وتضج بأمواج البحر، وما بكاء السماء ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان.. ونحن أبناء الطبيعة فلنجارها في بكائها وأنينها.
إن اليد التي تصون الدموع، أفضل من اليد التي تريق الدماء، والتي تشرح الصدور. أشرف من التي تبقر البطون، فالمحسن أفضل من القائد وأشرف من المجاهد، وكم بين من يحيى الميت. ومن يميت الحي.
إن الرحمة كلمة صغيرة.. ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظرها. والشمس في حقيقتها.
وإذا وجد الحكيم بني جوانح الإنسان ظالته من القلب الرحيم.. وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناء.
لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا مغبون ولا مهضوم.. ولأقفرت الجفون من المدامع.. ولا طمأنت الجنوب في المضاجع. ولمحت الرحمة الشقاء، من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.
لم يخلق الله الإنسان ليقتر عليه رزقه. ولم يقذف به في هذا المجتمع ليموت فيه جوعاً.. بل أرادت حكمته أن يخلقه ويخلق له فوق بساط الأرض وتحت ظلال السماء ما يكفيه مؤونته. ويسد حاجته.. ولكن سلبه الرحمة فبغى بعضه على بعض وغدر القوي بالضعيف واحتجن دونه رزقه.. فتغير نظام القسمة العادلة.. وتشوه وجهها الجميل.. ولو كان للرحمة سبيل إلى القلوب لما كان للشقاء إليها سبيل.
الفرد هو المجتمع.. وإنما يتعدد بتعدد الصور.. أتدري متى يكون الإنسان إنساناً؟ متى عرف هذه الحقيقة حق المعرفة وأشعرها نفسه. فخفق قلبه لخفقان القلوب وسكن لسكونها. فإذا انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها، انفرد عنها واستوحش من نفسه، وإذا كان الأنس مأخذ [مأخذ الكلمة: أصل اشتقاقها.] الإنسان المجتمع.. فالوحشة مأخذ الوحش المنقطع.
وجماع القول انه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الاشقياء في مكان واحد؛ إلا إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملك الرحيم والشيطان الرجيم.فالإنسان المجتمع.. فالوحشة مأخذ الوحش المنقطع.وجماع القول انه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الاشقياء في مكان واحد؛ إلا إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملك الرحيم والشيطان الرجيم.
إن من الناس من تكون عنده المعونة الصالحة للبر والإحسان فلا يفعل.. فإذا مشى مشى مندفعاص مندلثاً [اندلث: كاندفع.] يلوي على شيء مما حول من المناظر المؤثرة المحزنة، وإذا وقع نظره على بائس لا يكون نصيبه منه إلا الاغراق في الضحك سخرية به وببذاءة ثوبه ودمامة خلقه، وإن من الناس من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيف يحتلب درتهم [الدرة: اللبن إذا كثر وسال.] ويمتص دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته وبقراته.. لا يطعمها ولا يسقيها إلا لما يترقب من الربح في الاتجار بألبانها وأصوافها.. ولو استطاع أن يهدم بيتاص ليربح حجراً لفعل.. وإن من الناس لا حديث له إلا الدينار وأين مستقره وكيف الطريق إليه وما السبيل إلى حبسه والوقوف في وجهه والحيطة لفراره.. يبيت ليله حزيناً كئيباص لأن خزانته ينقصها درهم كان يتخيل في يقظته أو يحلم في منامه أنه سيأتيه فلم يقيض له، وإن من الناس من يؤذي الناس لا يجلب لنفسه بذلك منفعة أو يدفع عنها مضرة، بل لأنه شرير يدفعه طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو ليضري [يقال: أضري فلان كلبه بالصيد، وضراه: إذا أغراه به وعوده متابعته.] نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة إليه.. حتى لو لم يبق في العالم شخص غيره لكانت نفسه مدب عقاربه وغرض سهامه.. وإن من الناس من إذا كشف لك عن أنيابه رأيت الدم الأحمر يترقرق فيها، أو عن أظافره رأيت تحتها مخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية، أو عن قلبه رأيت حجراً صلداً من أحجار الغرانيت لا يبض [بض الدم: سال]. بقطرة من الرحمة.. ولا تخلص إليه نسمة من العظة.
فيا أيها الإنسان احذر الحذر كله أن تكون واحداً من هؤلاء فانهم سباع مفترسة وذئاب ضارية.. بل اعظك أن لا تدنو من واحد منه أو تعترض طريقه.. فربما بدا له أن يأكلك غير حاف بك.. ولا آسف عليك.
أيها الإنسان. ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار، ارحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتؤثر الموت على الحياة.
ارحم المرأة الساقطة لا تزين لها خلالها ولا تشتر منها عرضها علها تعجز عن أن تجد مساوماً يساومها فيه فتعود به سالماً إلى كسر بيتها.
أرحم الزوجة أم ولدك وقعيدة بيتك ومرآة نفسك وخادمة فراشك لأنها ضعيفة، ولأن الله قد وكل أمرها إليك، وما كان لك أن تكذب ثقته بك.
ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه فإنك ألا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين.
ارحم الجاهل لا تتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم، ولا تتخذ عقله متجراً تربح فيه ليكون من الخاسرين.
ارحم الحيوان لأنه يحس كما تحس ويتألم كما تتألم ويبكي بغير دموع، ويتوجع ولا يكاد يبين.. ارحمه وكذب من يقول إن الإنسان طبع على ضرائب لؤم، أقلها أنه يقبل يد ضاربه ويضرب من لا يمد إليه يداً.
ارحم الطير لا تحبسها في أقفاصها ودعها تهيم في فضائها حيث تشاء، وتقع حيث يطيب لها التغريد والتنقير، إن الله وهبها فضاء لا نهاية له فلا تغتصبها حقها فتضعها في محبس لا يسع مد جناحها؛ أطلق سبيلها وأطلق سمعك وبصرك وراءها لتسمع تغريدها فوق الأشجار، وفي الغابات، وعلى شواطئ الأنهار. وترى منظرها وهي طائرة في جو السماء، فيخيل إليك أنها أجمل من منظر الفلك الدائر والكوكب السيار.
أيها السعداء. أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.


» تابع القراءة

 

                   images (16)34

 

 

من النظرات..قراءة: أماني عيسى

إستيقظت فجر يوم من الأيام على صوت هرَّة تموء [المواء: صوت الهرة] بجانب فراشي وتتمسح بي، وتلح في ذلك إلحاحاً غريباً، فرابني أمرها، وأهمني همها، وقلت: لعلها جائعة. فنهضت، وأحضرت لها طعاماً فعافته، وانصرفت عنه، فقلت: لعلها ظمآنة. فأرشدتها إلى الماء فلم تحفل به، وأنشأت تنظر إليَّ نظرات تنطق بما تشتمل عليها نفسي من الآلام والأحزان؛ فأثَّر في نفسي منظرها تأثيراً شديداً، حتى تمنيت أن لو كنتُ سليمانَ أفهم لغة الحيوان؛ لأعرف حاجتها، وأفرج كربتها، وكان باب الغرفة مُرْتَجاً [أي: مقفلاً]، فرأيت أنها تطيل النظر إليه، وتلتصق بي كلما رأتني أتجه نحوه، فأدركت غرضها وعرفت أنها تريد أن أفتح لها الباب، فأسرعت بفتحه، فما وقع نظرها على الفضاء، ورأت وجه السماء، حتى استحالت حالتها من حزن وهمٍّ إلى غبطة وسرور، وانطلقت تعدو في سبيلها، فعدت إلى فراشي وأسلمت رأسي إلى يدي، وأنشأت أفكر في أمر هذه الهرة، وأعجب لشأنها وأقول: ليت شعري هل تفهم هذه الهرة معنى الحرية؛ فهي تحزن لفقدانها، وتفرح بلقياها؟ أجل، إنها تفهم معنى الحرية حق الفهم، وما كان حزنها وبكاؤها وإمساكها عن الطعام والشراب إلا من أجلها، وما كان تضرُّعها ورجاؤها وتمسحها وإلحاحها إلا سعياً وراء بلوغها.

 

الحرية..مصطفى لطفي المنفلوطي

 

وهنا ذكرت أن كثيراً من أسرى الاستبداد من بني الإنسان لا يشعرون بما تشعر به الهرة المحبوسة في الغرفة، والوحش المعتقل في القفص، والطير المقصوص الجناح من ألم الأسر وشقائه، بل ربما كان بينهم من يفكر في وجهة الخلاص، أو يتلمس السبيل إلى النجاة مما هو فيه، بل ربما كان بينهم من يتمنى البقاء في هذا السجن، ويأنس به، ويتلذذ بآلامه وأسقامه.

من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها: أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميداناً في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقُه شؤماً عليه وعلى سعادته؟ وهل يجمل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيداً بحريته ...؟!

يحلق الطير في الجو، ويسبح السمك في البحر، ويهيم الوحش في الأودية والجبال، ويعيش الإنسان رهين المحبسين: محبس نفسه، ومحبس حكومته من المهد إلى اللحد.

صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغلالاً، وسماها تارة ناموساً وأخرى قانوناً؛ ليظلمه باسم العدل، ويسلب منه جوهرة حريته باسم الناموس والنظام.

صنع له هذه الآلة المخيفة، وتركه قلقاً حذراً، مروع القلب، مرتعد الفرائص، يقيم من نفسه على نفسه حراساً تراقب حركات يديه، وخطوات رجليه، وحركات لسانه، وخطرات وهمه وخياله؛ لينجو من عقاب المستبد، ويتخلص من تعذيبه، فويل له ما أكثر جهله! وويح له ما أشد حمقه! وهل يوجد في الدنيا عذاب أكبر من العذاب الذي يعالجه؟ أو سجن أضيق من السجن الذي هو فيه؟

ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته، بل جنايته الكبرى عليه أنه أفسد عليه وجدانه، فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية، ولا يذرف دمعة واحدة عليها.

كان يأكل ويشرب كل ما تشتهيه نفسه وما يلتئم مع طبيعته، فحالوا بينه وبين ذلك، وملؤوا قلبه خوفاً من المرض أو الموت، وأبوا أن يأكل أو يشرب إلا كما يريد الطبيب، وأن يقوم أو يقعد أو يمشي أو يقف أو يتحرك أو يسكن إلا كما تقضي به قوانين العادات والمصطلحات.

لا سبيل إلى السعادة في الحياة، إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًّا مطلقاً، لا يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس.

الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروماً منها عاش في ظلمة حالكة، يتصل أولها بظلمة الرحم، وآخرها بظلمة القبر.

الحرية هي الحياة، ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللُّعب المتحركة في أيدي الأطفال بحركة صناعية.

ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثاً جديداً، أو طارئاً غريباً، وإنما هي فطرته التي فُطر عليها .

إن الإنسان الذي يمدّ يديه لطلب الحرية ليس بمتسوِّل ولا مستجد، وإنما هو يطلب حقًّا من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منة لمخلوق عليه، ولا يد لأحد عنده.

للتحميل بصيغة MP3

» تابع القراءة

kl  

من النظرات .. قراءة: أماني عيسى


عرفت أني فكرت ليلة أمس فيما أكتب اليوم، وعرفت أني آخذٌ الساعة بقلمي بين أناملي وأن بين يديّ صحيفة بيضاء تسوّد قليلاً قليلاً كلما أجريت القلم فيها ولكني لا أعلم هل يبلغ القلم مداه أو يكبو دون غايته، وهل أستطيع أن أتمم رسالتي هذه أو يعترض عارض من عوارض الدهر في سبيلها، لأني لا أعرف من شؤون الغد شيئاً

ولأن المستقبل بيد الله.

 

الغد مصطفى لطفي المنفلوطي

 

عرفت أني لبست أثوابي في الصباح، وأنها لاتزال فوق جسمي حتى الآن، ولكني لا أعلم هل أخلعها بيدي أو تخلعها يد الغاسل.

الغد شبح مبهم يتراءى للناظر من مكان بعيدفربما كان ملَكاً رحيماً، وربما كان شيطاناً رجيماً، بل ربما كان سحابة سوداء إذا هبت عليها ريح باردة حللت أجزاءها وفرقت ذراتِها فأصبحت كأنما هي عدم من الأعدام التي لم يسبقها وجود.

الغد بحر خِضمّ زاخر يَعُبُّ عبابه، وتصطخب أمواجه، فما يدريك إن كان يحمل في جوفه الدر والجوهر، أو الموت الأحمر.
لقد غمَض الغد عن العقول ودق شخصه عن الأنظار حتى لو أن إنساناً رفع قدمه ليضعها في خروجه من باب قصره لا يدري أيضعها على عتبه القصر، أم على حافة القبر.

الغد صدر مملوء بالأسرار الغزار تحوم حوله البصائر وتَتسقّطه العقول وتستدرجه الأنظار فلا يبوح بسر من أسراره إلا إذا جادت الصخرة بالماء الزلال.

كأني بالغد وهو كامن من مكمنه رابض في مجثمه متلفع بفضل إزاره ينظر إلى آمالنا وأمانينا نظرات الهزء والسخرية، ويبتسم ابتسامات الاستخفاف والازدراء، يقول في نفسه لو علم هذا الجامع أنه يجمع للوارث، وهذا الباني أنه يبني للخراب، وهذا الوالد أنه يلد للموت ما جمع الجامع، ولابنى الباني، ولا ولد الوالد.

ذلل الإنسان كل عقبة في هذا العالم؛ فاتخذ نفقاً في الأرض وصعد بسلم إلى السماء، وعقد ما بين المشرق والمغرب بأسباب من حديد وخيوط من نحاس، وانتقل بعقله إلى العالم العلوي، فعاش في كواكبه وعرف أغوارها وأنجادها، وسهولها وبطاحها، وعامرها وغامرها، ورطبها ويابسها، ووضع المقاييس لمعرفة أبعاد النجوم، ومسافات الأشعة والموازين لوزن كرة الأرض إجمالاً وتفصيلاً، وغاص في البحار فعرف أعماقها وفحص تربتها وأزعج سكانها ونبش دفائنها وسلبها كنوزها وغلبها على لآلئها وجواهرها، ونفذ بين الأحجار والآكام إلى القرون الخالية فرأى أصحابها وعرف كيف يعيشون، وأين يسكنون، وماذا يأكلون ويشربون، وتسرّب من منافذ الحواس الظاهرة إلى الحواس الباطنة فعرف النفوس وطبائعها، والعقول ومذاهبها، والمدارك ومراكزها، حتى كاد يسمع حديث النفس ودبيب المنى، واخترق بذكائه كل حجاب، وفتح كل باب، ولكنه سقط أمام باب الغد عاجزاً مقهوراً لا يجرؤ على فتحه، بل لا يجسر على قرعه، لأنه باب الله، والله لا يطلع على غيبه أحدا.

أيها الشبح الملثم بلثام الغيب، هل لك أن ترفع عن وجهك هذا اللثام قليلاً لنرى صفحة واحدة من صفحات وجهك المقنع أولا فاقترب منا قليلا علنا نستطيع أن نستشف صورتك من وراء هذا اللثام المسبَل دوننا فقد طارت قلوبنا شوقاً إليك، وذابت أكبادنا وجداً عليك.
أيها الغد، إن لنا آمالا كباراً وصغاراً، وأمانيَ حساناً وغير حسان، فحدثنا عن آمالنا أين مكانها منك، وخبرنا عن أمانينا ماذا صنعت بها، أأذلتها واحتقرتها، أم كنت لها من المكرمين..؟
لا لا. صن سرك في صدرك وأبق لثامك على وجهك ولا تحدثنا حديثاً واحداً عن آمالنا حتى لا تفجعنا فيها فتفجعنا في أرواحنا ونفوسنا فإنما نحن أحياء بالآمال وإن كانت باطلة، وسعداء بالأماني وإن كانت كاذبة:
وليست حياة المرء إلا أمانيا إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر.

 

للتحميل بصيغة MP3

» تابع القراءة

المشاركات الشائعة